محمد بن جرير الطبري
6
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أما سنة : فهو ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإِنسان . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قال : السنة : الوسنان بين النائم واليقظان . حدثني عباس بن أبي طالب ، قال : ثنا منجاب بن الحرث ، قال : ثنا علي بن مسهر ، عن إسماعيل عن يحيى بن رافع : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ قال : النعاس . حدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ قال : الوسنان : الذي يقوم من النوم لا يعقل ، حتى ربما أخذ السيف على أهله . وإنما عنى تعالى ذكره بقوله : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لا تحله الآفات ، ولا تناله العاهات . وذلك أن السنة والنوم معنيان يغمران فهم ذي الفهم ، ويزيلان من أصاباه عن الحال التي كان عليها قبل أن يصيباه . فتأويل الكلام إذ كان الأَمر على ما وصفنا : الله لا إله إلا هو الحي الذي لا يموت ، القيوم على كل ما هو دونه بالرزق والكلاءة والتدبير والتصريف من حال إلى حال ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، لا يغيره ما يغير غيره ، ولا يزيله عما لم يزل عليه تنقل الأَحوال وتصريف الليالي والأَيام ، بل هو الدائم على حال ، والقيوم على جميع الأَنام ، لو نام كان مغلوبا مقهورا ، لأَن النوم غالب النائم قاهره ، ولو وسن لكانت السماوات والأَرض وما فيهما دكا ، لأَن قيام جميع ذلك بتدبيره وقدرته ، والنوم شاغل المدبر عن التدبير ، والنعاس مانع المقدر عن التقدير بوسنه . كما : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : وأخبرني الحكم بن أبان ، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ أن موسى سأل الملائكة : هل ينام الله ؟ فأوحى الله إلى الملائكة ، وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثا فلا يتركوه ينام . ففعلوا ، ثم أعطوه قارورتين فأمسكوه ، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما . قال : فجعل ينعس وهما في يديه ، في كل يد واحدة . قال : فجعل ينعس وينتبه ، وينعس وينتبه ، حتى نعس نعسة ، فضرب بإحداهما الأَخرى فكسرهما . قال معمر : إنما هو مثل ضربه الله ، يقول : فكذلك السماوات والأَرض في يديه . حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، قال : ثنا هشام بن يوسف ، عن أمية بن شبل ، عن الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى صلى الله عليه وسلم على المنبر ، قال : " وقع في نفس موسى هل ينام الله تعالى ذكره ؟ فأرسل الله إليه ملكا فأرقه ثلاثا ، ثم أعطاه قارورتين ، في كل يد قارورة ، أمره أن يحتفظ بهما " قال : " فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما عن الأَخرى ، ثم نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان " . قال : ضرب الله مثلا له ، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأَرض . القول في تأويل قوله تعالى : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يعني تعالى ذكره بقوله : لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد ، وخالق جميعه دون كل آلهة ومعبود . وإنما يعنى بذلك أنه لا تنبغي العبادة لشيء سواه ، لأَن المملوك إنما هو طوع يد مالكه ، وليس له خدمة غيره إلا بأمره . يقول : فجميع ما في السماوات والأَرض ملكي وخلقي ، فلا ينبغي أن يعبد أحد من لقي غيري وأنا مالكه ، لأَنه لا ينبغي للعبد أن يعبد غير مالكه ، ولا يطيع سوى مولاه . وأما قوله : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يعني بذلك : من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يليه ، ويأذن له بالشفاعة لهم . وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأَن المشركين قالوا : ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، فقال الله تعالى ذكره لهم : لي ما في السماوات وما في الأَرض مع السماوات والأَرض ملكا ، فلا ينبغي العبادة لغيري ، فلا تعبدوا الأَوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى ، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا ، ولا يشفع عندي أحد